الشيخ مهدي الفتلاوي

14

نهج الخلاص

فكان من الطبيعي أن يعيش الخلفاء المعادون لعلي وأهل بيته عليهم السّلام ، والمغتصبون لحقهم في الخلافة ، هاجس القلق منه ، ومن الأئمة من بعده ، خوفا أنّ يفتضح أمرهم ، ويسحب بساط الخلافة من تحت أقدامهم ، فكان الحل الوحيد أمامهم لهذه المعضلة ، أن يرموا عليا وأهل بيته عليهم السّلام بالتّهم الباطلة ، ويقولوا للناس إنّهم يدّعون العلم بالغيب ، وأول من تبنى هذه التهمة الباطلة وروج لها بين المسلمين ، هم خلفاء بني أمية ، ليصرفوا وجوه الناس عن علي والأئمة من أهل بيته عليهم السّلام ، لتبقى لهم وحدهم الإمامة والخلافة على الأمة . ففي رواية أن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي ، حج سنة من السنين ، وكان قد حج في تلك السنة الإمام الباقر وابنه الصادق عليهما السّلام وجرت محاورة بين الإمام الباقر وهشام ، روى الصادق عليه السّلام طرفا منها ، فقال في بعض كلامه : قال هشام : إنّ عليا كان يدّعي علم الغيب ! ! والله لم يطلع على غيبه أحدا ، فمن أين ادّعى ذلك ؟ فقال أبي : إنّ الله جلّ ذكره أنزل على نبيّه كتابا ، بيّن فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، في قوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ « 1 » . وفي قوله : وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ « 2 » . وفي قوله : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ « 3 » . وفي قوله : وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ « 4 » . وأوحى الله تعالى إلى نبيّه صلّى اللّه عليه واله وسلم ، أن لا يبقي في غيبه ، وسرّه ، ومكنون علمه شيئا إلا يناجي به عليا . . . ثم قال لأصحابه : عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن ، كما قاتلت على تنزيله . ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه ، إلا عند عليّ عليه السّلام ، ولذلك قال رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم لأصحابه : أقضاكم عليّ أي هو قاضيكم . وقال عمر بن الخطاب : لولا عليّ لهلك عمر . أفيشهد له عمر ويجحد غيره ؟ ! « 5 » .

--> ( 1 ) سورة النحل : 89 . ( 2 ) سورة يس : 12 . ( 3 ) سورة الأنعام : 38 . ( 4 ) سورة النمل : 75 . ( 5 ) دلائل الإمامة : 233 ، تفسير البرهان : 1 / 739 .